مقالات عامه تلفزيونات المناطق..بدأنا منها فلماذا لا نعود إليها؟
كنتُ سأبدأ موضوعي مباشرة من العنوان لولا أنني تذكرت مشكلةً تنظيميةً وبشريةً مزمنةً تعشعش في وزارة الثقافة والإعلام كما تعشعشُ في وزارات أخرى، غير أن الخطوات والتطورات الإعلامية والثقافية الرأسية والأفقية المتلاحقة والمتسارعة والطموحة التي يقودها معالي الوزير د.عبد العزيز خوجة، تجعل هذه الوزارة في مقدمة الوزارات الماسة حاجتها للتعاطي مع مشكلة القوى العاملة والتنظيم الإداري.
الخطوات الانفتاحية والجريئة التي أقدم عليها معالي وزير الثقافة والإعلام، أدخلت الوزارة في منافسة حقيقية في سوق إعلامي لا فرق فيه بين الإعلام الحكومي وغير الحكومي من وجهة نظر المتلقي، فإما إعلام أو لا إعلام.هذا يتطلب كادراً بشرياً مؤهلاً ومدرباً تدريبا وتأهيلاً حديثاً يتناغم وينسجم مع المعطيات الحديثة في فقه الإعلام وتقنياته.
لقد ورثت وزارة الإعلام والثقافة جسماً تنظيمياً وبشرياً مترهلاً عبر إدارات تعاقبت على هذه الوزارة. فبقيت الأهداف دونما تغيير وبلا إستراتيجية مع بقاء مئات وربما آلاف الموظفين. هؤلاء الموظفون - رغم تألق نخبة منهم في قدراتهم وخبراتهم المتراكمة- إلا أن الغالبية من أولئك الموظفين لا يعملون إلا بربع طاقتهم الإنتاجية أو أقل، نتيجة إما لحاجتهم للتدريب أو التأهيل الحديث والمتقدم. وإما لانتهاء صلاحيتهم وعدم قدرتهم على العطاء بشكل عام والعطاء النوعي بشكل خاص.
إن الخطوات المتلاحقة التي تشهدها وزارة الثقافة والإعلام، تستوجب في المقابل وبنفس القدر، تغييرات بإعادة صياغة أهداف الوزارة وإعادة النظر بثلاثة أرباع القوى العاملة في الوزارة وقطاعاتها المختلفة بالتدريب المستمر، أو بالإحالة للتقاعد ومنحهم شيكاً ذهبياً لغير المؤهلين ولغير القادرين على تطوير قدراتهم، بالمقابل واستقطاب عناصر شابة مؤهلة وتدريبها.
لقد قفزت الوزارة خلال فترة وجيزة بفعاليات محلية إلى واجهة الأحداث وإلى بؤرة الإهتمام، فمن تفعيل النشاطات الأدبية والثقافية والشعرية والمسرحية والإنتاج التلفزيوني والإذاعي، إلى تحرير بث إذاعة الـFM من الاحتكار وإطلاق حزمة من القنوات التلفزيونية بين المتخصص والموجه، لا يمكن أن يتم كل ذلك، دون أن يعاد النظر في إحياء مركز التدريب الإعلامي الذي كان قائماً منذ سنوات بعيدة ضمن جسم وزارة الثقافة والإعلام. ولا أتخيل هذا الكم من القنوات التلفزيونية، دون إيجاد هيئة عامة للإذاعة والتلفزيون تقلص خطوط السلطة الإدارية وتحرر القرار الإعلامي من الروتين الإداري والمالي الحكومي المعقد.
أما أنظمة الوزارة فلا يخفى على معالي الوزير الحاجة الماسة لتغييرات جذرية تشمل نظام المطبوعات الذي أكل الدهر عليه وشرب ونظام المؤسسات الصحفية الذي مات سريرياً.. فضلاً عن الحاجة الماسة لتشريع وتنظيم الإعلام الإلكتروني الذي لا يزال وليداً تقنياً غير شرعي، رغم فاعليته وإتساع مساحته الكمية والنوعية خاصة في المناطق غير الإعلامية.
أخيراً، أريد أن أتوقف عند السياسة التي تحكم التوسع في إطلاق القنوات التلفزيونية وإذاعات الـFM. فرغم أهمية الإعلام المتخصص، إلا أن مرحلة الإعلام المتخصص يفترض أن تأتي بعد أن نستكمل الإعلام التنموي في كافة مناطق المملكة أو بالتزامن معه، وذلك لأهمية هذا الإعلام بتفعيل المواطن وتفاعله في ثقافة التنمية في منطقته وبالتالي بوطنه ككل، ولتحريك السوق التجاري الذي لا غنى له عن الإعلام في الدورة الاقتصادية الكلية، فضلاً عن سحب البساط من تحت أقدام إعلام التشرذم القبائلي والمذهبي والطائفي الذي أوجد مناخاً موبوءاً بأمراض ثقافية.
وإذا كانت هناك بعض الخدمات والفعاليات التي تمركزت فقط في ثلاث مدن سعودية في الخطط الخمسية السابقة، فإن هذا لا يبرر تكرار الخطأ. وحرمان تلك المناطق من إعلامها مثلما حرمت من بعض الخدمات الأساسية لفترات طويلة. فالضرورة تقتضي اليوم أن يكون هناك ثلاث عشرة قناة تلفزيونية موزعة على كل المناطق الإدارية الثلاث عشرة. يحق لهذه المناطق أن تسمع صوتها وترى صورتها وتتفاعل مع محيطها. بل ويحق لها أن يكون لها نشراتها الإخبارية ومسلسلاتها الدرامية المنبثقة من قصص نجاحاتها وحركتها الاقتصادية والتجارية والزراعية التي يستحيل أن تجد لها مكاناً في القنوات المتخصصة أو القنوات التجارية والرسمية... يحق لكل منطقة وأهلها أن يكون لها بثها الذي ينهض تنموياً بها ومعها ولها ويفعل أهلها. بل يحق لكل منطقة، أن يخلق لأبنائها فرص عمل على أوسع نطاق ممكن. لقد بدأ البث التلفزيوني في المملكة واستمر لفترة غير قصيرة بثاً مناطقياً، فلماذا لا تتحول المحطات التلفزيونية في المناطق تدريجياً في بث على مستوى كل منطقة يبدأ ببث ساعتين ثم أربع ساعات لتطلق خلال سنة كل محطة تلفزيونية في كل منطقة، بثاً كامل الأهلية يقدم النشرات الإخبارية والإعلانات التجارية ويسلط الضوء على تنمية كل منطقة؟
قيل في عمرو بن مالك، وذلك أن النعمان بعثه رائدا، ثم قال إنْ ذمَّ المرعى أو حمده لأقتلنه، فلما رجع وقام يتكلم قرع له أخوه بالعصا، ففطن الأمر, فلم يحمد ولم يذم المرعى، وتخلص من الموقف بذكاء ولباقة.