مقالات عامه قراءة في الحلول الشائعة لمشكلة البطالة
الكثير ممن يلقون وزر البطالة على العمالة الأجنبية يقترحون حلولاً مباشرة للمشكلة مثل الضغط على الشركات للتقليل من العمالة الأجنبية في المهن العليا، والضغط على رجال الأعمال للقيام بأدوار وطنية تجاه أبناء البلد، ومطالبة الحكومة برفع الكفاءة المهنية للمواطن ليحلّ محل العامل الأجنبي، وغيرها من الحلول التي تطرأ فورياً على الذهن في مراحل التفكير الأولية. ولكن هل يمكن أن يكون حل مشكلة البطالة التي تؤرق دولاً كثيرة في العالم بهذه السهولة؟ وإذا كانت كذلك فلماذا لم تختف البطالة في الدول الغنية، والديموقراطية، والكبرى التي سبق لكثير منها أن طبقت مثل هذه الحلول، جزئياً أو كلياً، سابقاً أو حالياً؟
الاقتصاد ليس معادلة رياضية واحدة يمكن حلها بوضع الرقم المناسب في الفراغ المناسب فقط، بل هو مجموعة معقدة ومتشابكة من هذه المعادلات قد يؤدي اتزان إحداها إلى الإخلال بالأخرى. بل إنها أحياناً ليست معادلات رياضية بحتة تكفيها الأرقام، بل يدخل في نسيجها متغيرات غير رقمية تعكس الحالة الاجتماعية والسياسية والثقافية للبلد، مما يزيد من رقعة الاختلاف، ويضاعف مساحة الجدل. ولاسيما أن الاقتصاد، رغم أهميته ومساسه بحياة كل شخص، إلا أنه من أقل العلوم الاجتماعية انتشاراً في معارف المجتمع، وتدريساً في مراحل التعليم العام. وهذا يفسر ويبرر حالات الحنق الشعبي المعتادة لأن الناس تلجأ إلى الحدس المنطقي المبسط لتفسير المشكلات الاقتصادية المعقدة، ثم تخرج بحلول تبدو واضحة وسهلة وفي متناول يد الحكومات وواضعي السياسات العليا، حتى إذا لم يروا تطبيقاً عملياً لهذه الحلول التي تبدو منطقية، عزوا ذلك لتفشي الفساد الحكومي، وتغليب المصالح الكبرى، وازدياد العجز الإداري.
وبالتأكيد هذه الأسباب قد تؤدي وأدت إلى انهيار أو تباطؤ اقتصادات عديدة في العالم، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة، ولكن المشكلة تكمن في أن الجمهور يفترض هذه الأسباب بآلية اعتباطية، في حين أنه من غير المنطقي أن نفترضها مباشرة لمجرد أن الاقتصاد غير منتعش إلى حد الرفاهية، والبطالة غير متناقصة إلى حد الاختفاء. ثم ننفي هذه التهم بمجرد انتعاش الاقتصاد، وتناقص البطالة. وياليت أن الأمور كانت بهذه السهولة والمباشرة، ولكن الاقتصاد يظلّ ذلك الكيان الصعب والمعقد الذي يتحكم في مصائر الأمم، ويغير أقدار المجتمعات.
عودة إلى جدلية البطالة والعمالة الأجنبية، نجد بعض الحلول المطروحة شعبياً لمشكلة البطالة قد تكون مجدية، ولكنها صعبة التطبيق، وبعضها يمكن تطبيقه بسهولة، ولكنه لن يجدي لأنه سيثقب الاقتصاد من جهة أخرى. وبإمكاننا بنفس البساطة التي طرحنا بها هذه الحلول أن نتخيل تبعاتها. فمثلاً: إجبار الشركات على التقليل القسري من عمالتها في المهن العليا هو قيد قانوني بغض النظر عن شرعيته وضرورته، وفي ظل العولمة، صارت الدول تتنافس على التقليل من مثل هذه القيود وليس زيادتها لضمان تدفق رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية.
والسعودية، رغم اقتصادها المتين وجاذبيتها للاستثمار، في حاجة ماسة إلى (إقناع) رؤوس الأموال المحلية بالاستثمار محلياً، (ومغازلة) الاستثمارات الأجنبية للقدوم ولو جزئياً. وهذا لن يتم بزيادة القيود وتحديد نسب العمالة، حتى لو كانت هذه الإجراءات تشفي صدور الطبقة المتوسطة، والعاطلين عن العمل على المدى القريب، لأنها على المدى البعيد قد تؤدي إلى انكماشات اقتصادية تزيد من معدلات البطالة، ولكن هذه المرة بسبب قلة الوظائف المطروحة وليس بسبب منافسة العمالة الأجنبية. والذي يتصور أن احتمالية هروب الشركات إلى دول أخرى بسبب هذا القيد لن يسبب ضرراً للاقتصاد لأن هناك مئات الشركات التي تتمنى أن تحل محلها وترضى بأي شروط، فعليه أن يفكر بواقعية أكبر. فجولة بسيطة في (جبل علي) في الإمارات يمكن أن تمنحنا تصوراً مبسطاً عما يعنيه مفهوم (تسرب الاستثمارات) إلى البيئة القانونية الأكثر ترحيباً، والأقل قيوداً. وعندما فرضت الحكومات الأوروبية قيوداً بيئية على الشركات تسربت إلى الصين، وعندما فرضت الحكومة الأمريكية قيوداً أمنية تسربت شركاتها إلى الهند.
ولا شك أن جاذبية أوروبا وأمريكا للاستثمار ما زالت أعلى من السعودية بشكل عام، ولكن ذلك لم يجنبها مشكلة تسرب رؤوس الأمول.
مثال آخر: مطالبة رجال الأعمال بلعب أدوار وطنية، وتوبيخهم على عدم السعودة لن يعود بالنتائج المتوقعة لثلاثة أسباب: الأول، أن ذلك سيكون نافعاً لمجموعة من الشركات الكبرى التي يقيم ملاكها وزناً لعلاقاتهم الشخصية مع الحكومة، ولكنه لا يمكن أن يكون نافعاً مع الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا يمكنها أن تغامر بهوامش ربحها القليلة من أجل الحصول على ميدالية (وطنية) لا تسدد أقساط البنوك ولا ترضي طموحات الملاك. والثاني، لأن نجاح هذه السياسة المفترض في إبقاء الاستثمارات (الحالية) داخل حدود الوطن لا يعني أن الاستثمارات (المستقبلية) ستظل كذلك، ففي نهاية المطاف يظل (رأس المال) ميالاً للبيئة ذات العوائد (المادية) الأعلى، وليس (المعنوية) الأجمل. والثالث، لأن الحكومة، في نهاية المطاف، مهما بلغ حجم ميزانيتها السنوية ومشاريعها الكبرى، لا تملك حوافز كافية لكل الشركات، ولا ميداليات كافية لكل رجال الأعمال، وبالتالي فعليها أن تصرف جهدها لتصميم وهندسة بيئة استثمارية تخلق حوافزها وميدالياتها من ذاتها بدلاً من توزيع الميداليات وتكريم الأشخاص.
ومثال آخر: فإن مطالبة الحكومة برفع كفاءة المواطن المهنية ليست مهمة سهلة، فلا يمكن للحكومة أن تتحول إلى مؤسسة تدريب لكل المواطنين، ولكنها قد تساهم في خلق بيئة مهنية تتيح للمواطن الجاد أن يتعلم ويتدرب.
وهذا ما شهدنا جهوداً موفقة في إطاره في العهد الإصلاحي الأخير، فالسعودية من الدول القلائل التي تمنح تعليما مجانياً من الروضة إلى الدكتوراه، محلياً وعالمياً، ولكن لا تملك أن تزرع الإرادة في صدر المواطن العاطل، ولا أن تحول المجتمع المعتاد على (الرعاية الاجتماعية) في ظرف سنوات إلى مجتمع منتج يقدس العمل.
وأفضل ما يمكن للحكومة القيام به حالياً هو هندسة نظام من الحوافز الاقتصادية للتوفيق بين الشركات والمواطنين، دون أن يكون في ذلك تنفير للشركة من الاستثمار المحلي، أو إجبار للمواطن على تقديم تنازلات مخلة بحقوقه الوطنية.
يضرب مثلا للبخيل يعتلُّ بالإعسار فيمنع، وهو في اليسار مانع. وأصله أن المرأة تكون مصفرّة من خِلْقة ، فإذا نُفِسَتْ تزعم أن صُفرتها من النفاس. والرجل يكون عابسا من غريزة فيه، فيزعم أن عُبوسَه من البكـاء.